درس المؤلفات
ظاهرة الشعر الحديث
أحمد المجاطي

مداخل لدراسة المؤَلف :

المدخل الأول : النقد من حيث هو مفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، و تكون غايتها قراءة الأثر الأدبي،و مقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة و النقص فيه. 
و يرتبط النقد في الغالب بالوصف و التفسير و التأويل و الكشف و التحليل و التقويم، و ينصب كل ذلك على النص أو الأثر المنقود.
و يمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات و المراحل ، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
* قراءة النص أو الأثر المنقود و ملاحظته.
* تحليل مضمونه وشكله.
* تقويمه إيجابا و سلبا.
* توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة *(feed back)، يمده بها العمل النقدي.
و من أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين المبتدئين و لكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة و الضعف في الأثر الإبداعي، و التمييز بين الجودة و الرداءة، و الطبع و التكلف، و الصنعة و التصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور، في النظرية و الممارسة، و يجلي لهم طرائق التجديد و مدارسه و تصوراته الجمالية و الفلسفية و الفنية، قصد إبعادهم عن التقليد .
المدخل الثاني:المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية تقرأها و تشتغل عليها و تستولد منها و حولها أسئلتها و تأملاتها و إشكالاتها البانية لخطابها و المحركة لوتائرها، و هو يتطلب "وعيا" نظريا و منهجيا، يضبط صنيعه و يجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان ، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث عن "مشهد نقدي" في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة هي عبارة عن ردود عفوية و ملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، و أحمد زياد، و عبد الرحمان الفاسي، و محمد بلعباس القباج... 
كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق "الوعي" النقدي الحديث في المغرب، و كانت وراء هذه الانطلاقة عوامل و ملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي : 
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي و تفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، و تأسيس كلية الآداب و العلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية و الأدبية في المشرق العربي (القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، و مساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة و الأدب .
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، و كان صدور بعض الأعمال الروائية و الشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق 20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، و لعل أبرز من مثل هذه الحقبة هم: محمد برادة، و أحمد اليابوري، و محمد السرغيني، و أحمد المجاطي، و حسن المنيعي، و إبراهيم
السولامي.
لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة و غيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل جديد من النقاد و المبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي بعطائهم،و هم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم و أفكارهم، و ستتفرع معهم الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، و صحفي، و جمعوي، و جامعي، و سجالي...
و قد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة النظر في شروط القراءة و أدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي :
1/ المنهاجوية : ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب النص المقروء.فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص و لا شئ غير النص) بمبدإ مضاد ( المنهج و لا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية آخر المطاف هي اغتراب النص، و المنهج، و الناقد، و المتلقي.
2/ الارتحال السريع بين المناهج و النماذج : الذي تحول عند البعض إلى قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، و إلى سلسلة من النواسخ و المنسوخات.
3/ غياب النقد عن النقد : و هيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص و يفكك أجزاءه و عناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أو يتركها لحما على وضح. و من تم تتساوى النصوص المقروءة و توضع في سلة واحدة.
4/ غياب شخصية الناقد في قراءته و ارتباك لغته النقدية، معجما و مصطلحا.
و قد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال النقص فيه، و يحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية ، لكن طريقه لتحقيق ذلك لا زال يبدو طويلا، و مليئا بالأشواك، والمطبات ، التي نتمنى أن يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد و العشرين. 
المدخل الثالث : صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع و النقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة و مقنعة في آن معا. و كان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته بين الدار البيضاء و الرباط ودمشق . و درس بكل من جامعة محمد بن عبد الله بفاس و جامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى للشعر سنة1987. 
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر و النقد و التدريس. 
المدخل الرابع : طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر العربي الحديث، و البحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل من مرحلة الإحياء و الذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد العوامل و التجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي :
·على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة و الضياع، و تجربة الموت ، مع ما ميز كل تجربة من 
مظاهر و خصوصيات.
·على مستوى الشكل و البناء الفني: في اللغة و السياق و آليات التعبير و خاصة الصورة الشعرية و الأسس الموسيقية.
دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول : التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.


القسم الأول: نحو مضمون ذاتي.
·الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي،عند أحمد المجاطي، هما: الحرية و الاحتكاك بالثقافة الأجنبية. 
و في الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:
◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية و التحول، أمثال: أبي نواس،
و أبي تمام، و المتنبئ.
◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.
و مع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد اللغة ظل هذا التجديد محدودا و ضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا و محافظا على الأصول، و لم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية و ضعف الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية.
·التيار الإحيائي :
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم عليه التيار الإحيائي قصد 
تجاوز ركود عصر الانحطاط و مخلفات كساد شعره و الخروج من الأزمة الشعرية التي عاشها شعراء عصر النهضة. 
و يعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، و وضعف اطلاع أصحابه على الآداب الأجنبية.
·التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية و اجتماعية و تاريخية، للدفع نحو تجاوز شعار العودة إلى التراث، و الأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية و الإعلاء من شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل عبر الجماعات الأدبية الآتية:
(أ)جماعة الديوان:
و تضم كلا من العقاد و شكري و المازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان، لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:
العقاد شكري المازني

- "مفكر قبل أن يكون شاعرا"

- غلب التفكير على الوجدان و الشعور 
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هو وجداني داخلي.

- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.

- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من العقل أو توغل في أعماق النفس

- تأمل في أعماق الذات، و انصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.

- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل،مما أنتج لديه شعر الاستبطان و استكناه أغوار الذات


نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز و التفرد و التغني بشعر الشخصية،و ليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل و الغايات. و لعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام .
انتشار الفكر الحر بين مثقفي و مبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها قيما إنسانية ذات وزن.
(ب) تيار الرابطة القلمية :
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن الفرد إلى الكون جملة، و أن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، و تقريبه من الذات الإلهية حتى تغدو العودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم بكلياته و جزئياته، و قد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران خليل جبران، و ميخائيل نعيمة، و إيليا أبي ماضي.
جبران نعيمة أبو ماضي

- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.

- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد 
- الصلاح و الطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل و النهار.

- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.

- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج و الاحتجاج و الخصومة.

- استعصم بالخيال و ركن إلى القناعة و الرضى.

- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أو إلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.


رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس الذات و المضامين السلبية مثل اليأس و الخنوع و الاستسلام و القناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية و التغيير الثوري و ترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.
(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على التغني بالذات و الوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره، بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة و الهروب من الحياة الواقعية إلى الذات المنكمشة، و من المدينة نحو الغاب، و اصطباغ شعرهم بالخيبة و الحرمان و اليأس بالمرارة و المعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللو بالانفصال و التمزق و الهجرة و الفرار، فتعددت الاتجاهات المختلفة التفاصيل، و المتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن مجتمعه.
القسم الثاني: نحو شكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة تستوفي صيغتها التعبيرية و صورها البيانية و إيقاعاتها الموسيقية من التجربة نفسها. و من تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء الذاكرة و تقليد النموذج.
و يمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
·سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس، موظفا لغة الحديث المألوف و لغة الشارع كما عند العقاد في قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان "عابر سبيل"، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية في أسلوبه.
·الصورة البيانية: صارت تعبيرية و انفعالية و ذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أو بيان حالة، بعد أن كانت عند الإحيائيين زخارف و أصباغا تراد لذاتها.
·الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف و الأحاسيس و الأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضو من أعضائه دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية و الوزن، مثلا، بالأفكار و العواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات موضوع واحد و قواف متعددة و أوزان مختلفة.
هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية و محاولاتها المستهدفة للغة و الأوزان و القوافي و الصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أو الشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء و الأنين و التفجع و الشكوى، و هي معان ممعنة 
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض و خذلان.
و على صعيد الشكـــل : فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة 
و مميزات مكتملة ناضجة، و كان فشله بفعل النقد المحافظ الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك و مناعة قبل نكبة فلسطين، و الذي سيتغير بعد النكبة. 

الفصـــــــــل الثاني : تجربة الغربة و الضياع.


لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به، بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام ، مرورا بالمد القومي الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي و ما أحدثه من زرع الشكوك في نفوس المثقفين و المبدعين، و إسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة و الطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي الحديث من خلخلة الثوابت، و الانفتاح على ثقافات العالم، شرقه و غربه، و كذا على التراث العربي، فكان :
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، ( مذاهب صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات 
الهندية و الفارسية و الصابئة...)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة ، من وجودية و اشتراكية...
3/ التفاعل مع أشعار: بابلو نيرودا، و بول ايليوار، و لويس أراكون، و كارسيا لوركا، 
و ماياكوفسكي، و ناظم حكمت، و توماس إليوت....
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، و عمر الخيام، و فريد العطار، و طاغور....
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية ( سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن،سيرة 
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة و ليلة....)
6/ التعمق في القرآن الكريم، و في الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.
بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان و العالم تعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين الكبار، من أمثال السياب و نازك الملائكة و البياتي و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و أدونيس و غيرهم. 
و من الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة الغربة و الضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
(أ ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته " الأرض الخراب"
(ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين و الروائيين الوجوديين أمثال: ألبير كامو، و جون بول سارتر، 
و بعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي ، و هي أعمال ترجمت إلى اللغة العربية و ساعدت في تبني الشباب موجة من القلق و الضجر انعكست في أشعارهم
(ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.
إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب نغمة الكآبة و الضياع و التمزق، بل هو يرى أن هناك جذورا لهذه النغمة تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب و أطلال، ذلك أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحو آفاق الضياع و الغربة بالشعر العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل و ذلك التاريخ الملوث اللذين قدر على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة و ضرورة البحث عن جذورها في الواقع، و تصوير أهم مظاهرها البارزة في القصيدة العربية الحديثة، و التي نذكر منها :
1.الغربة في الكون:

حين حلت النكبة، و طرد العربي الفلسطيني من أرضه، و نفي من أمجاده و تاريخه، و حاصرته المهانة و الذل، و انفصل عما حوله من أشياءَ و قيمٍ، مال إلى الشك في كل شيءٍ، و كان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته و تفرده في الكون، و تولى أمر نفسه بنفسه، فشكك في الحقائق و مال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، و تفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث و القلق و المرارة المظلمة، و ممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، و السياب، و أدونيس، و يوسف الخال .


2.الغربة في المدينة:

آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هو تفسير العالم و تغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية و الموضوعية، و تتخذ قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا .

لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة 
و عماراتها الشاهقة و طرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته بالمدينة مكانا و ناسا وقيما و أشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي و حقيقتها المفرغة من كل محتوى إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب).كما اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
و رغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم يستطع الهروب منها إلى الريف أو الغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).


3.الغربة في الحب:

فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون و في التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا و بريقا واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، و تركيبته النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أو المادي، فلم تعد المرأة بجسدها و أنوثتها و رقتها و جمالها قادرة على تخليصه من همه القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة و قتال كما عند خليل حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، و الحب يموت كما عند عبد المعطي حجازي، أو يصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.


4.الغربة في الكلمة:

كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة و حركة وفعلا، غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح و المرايا)، فعاشت الكلمة بذلك غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى و خنق الجهر، و قتل الكلام الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى أسماء) من ديوان (سفر الفقر و الثورة) رغم كونه عذاب و سكون و حزن، حين اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة و حكمت عليه بمعاناته و الاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة و الفعل.


خلاصة الفصل:

هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة لدى الشاعر العربي الحديث و التي تبلورت في مفهوم دال واحد هو : الغربة في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أو أكثر، فقد كان هدفه الأساس هو البحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، و أن الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك ارتباط وثيق بين معاني الضياع و الغربة و معاني اليقظة و التجدد و البعث، و حصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.

الفصل الثالث تجربة الحياة و الموت


لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله ، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة و التجدد ، بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس و رد العدوان الثلاثي وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي...الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب و خليل حاوي و أدونيس 1952 و عبد الوهاب البياتي.
لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، و قَبلَ بموت تكون معه الحياة،فعانق بذلك الرفض و الثورة و النضال ، و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، و يعدد الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
  • ارتباط تجربتهم بالحياة و الموت.
  • ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
  • رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
  • استخدامهم للمنهج الأسطوري.
  • استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد، استلهمها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية، و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة، و من هذه الأساطير نذكر: تموز ، و عشتار ، و أورفيوس ، و طائر الفينيق ، و مهيار الدمشقي ، و العنقاء ، و السندباد ، و عمر الخيام ، و الحلاج... مما أرز منهجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه، و مجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.

أدونيس:

ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و ( المسرح و المرايا )، فلاحظ أن ما يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس، من خلالهما، هو صدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي،في واقع يفتقر إلى الفحولة و الخصب،و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.

كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هو موقف الرافض للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان: 
·اتجاه ينطلق من الحيرة و التساؤل، و البحث عن وسيلة للبعث.
·اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ العربي و إمكانية البعث، و بإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس ، عكس مفهوم التحول الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات و الأشياء، و الروح و المادة و الحياة و الحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها و تجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.


خليل حاوي:

عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و بيادر الجوع )، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هو مبدأ المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده و في شعره، معاناة الموت و معاناة البعث، على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف و العقم، و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء ، دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.

و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.


بدر شاكر السياب:

تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث، فعبر عن طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة " النهر و الموت" 

لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب " مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت، و تحويل الموت إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أو التركيب الغريب لعقله الباطن، و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.


عبد الوهاب البياتي:

تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بعثهما، من خلال جدلية الأمل و اليأس، و قد تمت صياغة هذه القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:

1. منحنى الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت، و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر الفقر و الثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.
2.منحنى الانتظار: و فيه تتكافأ الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.
3.منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، و يمثله ديوان (الموت و الحياة)، و هو يكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال و لا بعث بدون موت.
يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت، و أن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.


خلاصة الفصل:

لم يغفل المجاطي، و هو ينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع و استشراف المستقبل، مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:

1.عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر.
2.عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد.
3.خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع و السجن و النفي.

الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد


تقديـــــــــــــــم:

إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك أدواتها التعبيرية و وسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة و اللغة و طريقة التعبير و توظيف الصور البيانية و الرموز و الأساطير .

و لأن الشكل الفني ليس قالبا أو نموذجا أو قانونا ، بل هو حياة تتحرك أو تتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم، فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل اللغة و الإيقاع و التصوير... و هي تحولات كان لها أثر كبير على سياق القصيدة و بنائها العام أيضا.
فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟ .


1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:

يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل و البحث في لغة الشعر الحديث، و هي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات الثورية للغة الشعر الجديد) و منها :

·النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة و عبارة فخمة و سبك متين، على غرار الشعر القديم ، وتبدو هذه الخاصية عند السياب في دواوينه القديمة و المتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر" و قصيدة " منزل الأقنان" .
·البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس و البياتي و محمد عفيفي مطر و صلاح عبد الصبور...، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية بعدا يمنح مفرداتها قيما و دلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.
·السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت داخلي منبثق من أعماق الذات، و متجها إليها.


2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:

لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، و الصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال و التخييل و تشغيل الانزياح و الرموز و الأساطير و توظيف الصورة/ الرؤيا و تجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء. 

و لعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث بالغموض.


3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:

إن الشاعر الحديث و هو يسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و أحاسيسه و فكره... و لاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد أتاح له أن يطوع تلك القوانين و أن يطورها ، و أن يضيف إلى الخصائص الجمالية للبحور التقليدية ، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.

لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية منها:
·تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
·السطر الشعري قد يطول و قد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أو فكري.
·طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة و تسع تفعيلات.
·إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً و محصوراً تتوزعه الأعجاز و الصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط به الحصر.
·ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية و هي: الهزج (مفاعيلن)، و الرمل (فاعلاتن)، و المتقارب (فعولن)، و المتدارك (فاعلن)، و الرجز (مستفعلن)، و الكامل (متفاعلن).
·أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
·امتاز نظام التفعيلة بالمرونة و الطواعية.
·الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها، كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، و أدونيس في قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح و المرايا".
يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:
1.مسألة الزحاف : تولد إحساسٌ بالرتابة و الملل ناتج عن اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية ثابتة، و لتكسير حد القافية و منحها مزيدا من التنوع و التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.
2.تنويع الأضرب : بهدف التنويع في الإيقاع و التلوين في النغم، عمد الشاعر الحديث إلى:
·توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور ( مستفعلن ).
·تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
·إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز و السريع.
3.فاعل في حشو الخبب : تظل مسألة تنويع الأضرب و القافية تلوينات مقبولة و ملتزمة بقوانين علم 
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل (فاعلن) في حشو بعض 
أبيات الشعر الحديث، و هو خروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر المعاصر الجديد، و مستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من محمد النويهي و عز الدين إسماعيل.
4.مسألة التدوير : إن حركة المشاعر و الأفكار و الأخيلة قد تأخذ شكل دفقة تتجاوز، في اندفاعها، 
حدود الشطر أو البيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
·الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، و بالتالي اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تساعية كما ورد عند نازك الملائكة و خليل حاوي.
·الثانية: و تظهر في اتساع الدفقة الشعورية و بالتالي الوقوع في التدوير الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين و من انتظامه في نسق هندسي رتيب.


4/ نظام القافية في الشعر الحديث:

يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من البناء العام للقصيدة في ما يلي:
  • الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
  • الربط بين إيقاع البيت و إيقاع القافية.
  • التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
  • جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
  • إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر و الأفكار.
  • الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية التقليدية .

و يرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد و استلزام لذوق قرائي جديد ، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة و النضال و الصراع ضد قوى الاستغلال و البطش و لا يشاركها في معاركها الحضارية .

إرسال تعليق

اعلانات

 
Top