القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
=============================================>

إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها، و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي : 

1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
  • ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
  • معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
  • تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.


2. الاغتـــراب: 
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.

إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع. 
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .


3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.

كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.


4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).


5. الشعر الحديث رؤيا : 
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.

و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.


6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.


7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.


8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.

لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.


القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:

تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في مقاربة موضوعه ، و هذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق و الانسجام بين الموضوع المدروس و الأدوات و الوسائل المنهجية المعتمدة. 

و لأن الجهاز المفاهيمي في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" للأستاذ أحمد المجاطي ، جهاز متشعب ، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية و الأكثر إفادة في دراسة الكتاب، و التي يمكن أن نذكر منها:


1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة العربية الحديثة إثر تغير مضامينها و محتوياتها، مما يثبت العلاقة الجدلية بين الشكل و المضمون في الإبداع الأدبي ، فكلما تحول مجال اهتمام المضامين، و تغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري و الصياغة الفنية و الجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. و تتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول و التغيير في :

* لغة القصيدة. * صور القصيدة . * بناء القصيدة . * موسيقى القصيدة.


2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي تطرح مشاكل المجتمع الحديث. و رغم تعدد و تباين تعاريف هذا المفهوم، فإن هناك عناصر مشتركة بينها هي : الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أو الانعزال/ العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/ عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة .

إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم . و الشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت نفسه بالخيبة و الألم ، فينمو لديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه العالم، وبرفض نفاق العصر و مجتمع الحياد و اللامبالاة، مجتمع الأوهام و الحقائق المزيفة و العلم الميت. و من تم يجد الشاعر نفسه عاجزا عن توكيد ذاته في الديمومة أو التاريخ . إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع يسحقه و يبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، و فضاءً مملوءاً بالتجاويف و صدإِ الغيثِ.


3. اللاشعور الجمعي:
و هو مفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، و يعني أن اللاشعور يستمد تجاربه من الموروث الإنساني العام ، و ليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. و هذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها الإنسان في كل زمان و مكان، و شكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه السلوكات و التمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير و الرموز.


4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام اليومي و المتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن غيرها. ذلك أن المواد الصوتية و المعجمية و التركيبية و الدلالية توظف بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أو اللغة العلمية أو غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر و شفاف.


5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، و يؤمن بأن الإبداع يقع خارج المتداول و المألوف، و أنه ليس تصويرا للواقع، بل هو كشف جديد لعلاقاته الضمنية و غير المباشرة، و أن الأشياء المادية و المحسوسة و المعيشة ليست سوى تفاصيل و جزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها مع التجربة المجتمعية و الإنسانية و هو ما يفسر توظيفه للرموز و الأساطير

++++++++++++++
القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
قراءة في كتاب ظاهرة الشعر الحديث
قراءة في كتاب ظاهرة الشعر الحديث للدكتور أحمد المعداوي
كتاب ظاهرة الشعر الحديث لأحمد المعداوي
كتاب ظاهرة الشعر الحديث pdf
تحميل كتاب ظاهرة الشعر الحديث
تحميل كتاب ظاهرة الشعر الحديث لاحمد المعداوي
ملخص كتاب ظاهرة الشعر الحديث
تحليل كتاب ظاهرة الشعر الحديث

إرسال تعليق

اعلانات

 
Top