إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها.
و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي : 

درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



1. دور التجربة الذاتية:

يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف
 ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
  • ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
  • معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
  • تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.


درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.
إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع. 
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .



درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.
كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.


درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).

درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث


 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



5. الشعر الحديث رؤيا :
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.


درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.


درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث


 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.


درس المؤلفات : ظاهرة الشعر الحديث

 القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"  Doros Bac 



8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.
لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.

إرسال تعليق

اعلانات

 
Top