شذرات من الفكر السياسي
الدولة : السيادة والمواطنة  في الفلسفة للباكالوريا
خاص بتلاميذ الباكالوريا 

الدولة : السيادة والمواطنة  في الفلسفة للباكالوريا
I  ـ  مفهوم الدولة:
 إذا كانت الفلسفة تساؤلا عن الإنسان كذات، كفكر كتاريخ كحضور في العالم فهي أيضا تساؤلا عن مجتمعه و عن محيطه الأخلاقي و الاقتصادي و السياسي. و بذلك يكون السؤال الفلسفي هو عن جدارة فنّ الوعي بالعالم و فنّ الوعي الشمولي الذي يحاول رصد جميع الظواهر المتعلّقة بهذا الكائن الذي كان مجال اهتمامها منذ البدء. لكن لا يمكننا تأسيس وعي شمولي بمفهوم الإنسان ما لم نلامس تواجده المجتمعي فنسائل متطلّبات العيش مع الآخر ومقتضيات التواصل وشروط تحقيق مبدأ المدنية التي تحقّق إنسانية الإنسان وذلك بإخراجه من عزلة الطبيعة وعنفها إلى أرضية العيش المتآنس الذي لا يمكن أن يكون إلاّ بوجود هذا "الوازع" حسب المصطلح الخلدوني أو هذا "التنّين" حسب المصطلح الهوبزي أو ببساطة هذه "السلطة القانونية" حسب الأدبيات السياسية والتوجّهات المعاصرة لفلسفات الحقّ التي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ ضمن مؤسّسة الدولة هذا الكائن الاصطناعي أو "مؤسّسة المؤسّسات" الذي هو مبدأ التنظيم والتسيير والسهر على حسن بقاء الكائن وحسن التعايش الذي نعبّر عنه اليوم بمفهوم المجتمع المدني الذي هو مغاير لأن يكون مجتمعا مستوحشا محكوما بنواميس الطبيعة التي يسيّرها قانون البقاء للأقوى حيث ستساعد نظرية الدولة الإنسان على المرور من وضع حب البقاء إلى وضع حسن البقاءغير أنّ مصطلح الدولة في ( البوليتولوجيا la politologieالعلوم السياسية) قد شهد التباسا مفهوميا نظرا لوجود العديد من المفاهيم السياسية المجاورة له والمغايرة مفهوميا و مرتبة لمصطلح الدولة مثل الحكم (le pouvoir) والسلطة  (l'autorité) حيث يقول هنري لوفافر في كتاب "في الدولة"(ج1، سلسلة 10ـ 18) « إنّ كلمة حكم أو سلطة لا تعني المدلول الذي تؤدّيه كلمة دولة » فالحكم يمكن أن يكون حكم رئيس القبيلة أو العشيرة كما يمكن أن يكون حكم القاضي كما يمكن أن يعني حكم الأمير أو الملك أو الرئيس. أمّا مفهوم السلطة فهو أيضا يعني وجود مبدأ الهيمنة و هو مفهوم يصرّف في الجمع حيث يقول ميشال فوكو: « ما زلنا نجهل ماهية السلطة (…) فالسلطة تمارس حيثما تكون ثمّة سلطة فلا أحد في واقع الأمر يمتلكها ومع ذلك فهي تمارس دوما في اتّجاه معين فيكون البعض من جانب ويكون البعض الآخر من الجانب الآخر و لسنا نعلم من الذي بالتحديد يمتلك السلطة ولكنّنا نعلم من لا يمتلكها » ( ميشال فوكو: "مقتطف من مقابلة مع جيل دولوز" ورد في مجلة l'arc عدد: 49 سنة 1972) فالسلطة ليست بالضرورة سلطة الدولة ولكنّها أداة في يد الدولة وبها تحاول تأسيس السيطرة وفق مبدأ المعاقبة وآليات المراقبة التي تسعى بهما الدولة إلى جبر المواطن على احترام القانون و إرغامه على التوافق و أدبيات العيش مع الآخر وفق مبدإ الحقّ والواجب. لقد حاول "ميشال فوكو" في كتاب "المراقبة والمعاقبة" رصد كيفية اشتغال سلطة الدولة وفق دراسة أركيولوجية (علم الحفريات) باحثا في تاريخ السجون وتاريخ الأدوات التي تستعملها الدول في التعذيب والشنق وملاحقة الجسد وتاريخ أجهزة المراقبة التي لا تشتغل في مؤسّسة الاعتقال فحسب بل تمتدّ امتدادا أخطبوطيّا في كلّ ثنايا الجسد السياسي لذلك تعتبر أعماله بمثابة "علم تشريح سياسي" قائم على دراسة التمفصلات العمودية والأفقية للسّلطات الجزئية التي تمتدّ من بوّابة السّلطة المركزيّة لتصل إلى جميع ثنايا المجتمع، ليكتشف بعد ذلك أنّ سلطة الدولة من المنظومات التي نراها ولا نراها فهي واضحة أحيانا وميكروفيزيائية أحيانا أخرى حيث صوّر لنا الطريقة البشعة التي عذب بها Damiens  و ذلك من باب السلطة المرئية و صوّر لنا مثالا للمراقبة اللامرئية مثل ما هو الشأن في مشتمل "بانتام" هذا المعتقل الذي بإمكان الحارس فيه مراقبة جميع السجناء بطريقة تجعله يراهم جميعا دون أن يروهلقد علّمنا "ميشال فوكو" أنّ السلطة هي جزء من الجهاز السياسي ككلّ و هي أيضا يمكن أن تكون في متناول الأفراد فهي سلطة الطبيب و المعلّم و الأب إذا ماذا يمكن إن تكون الدولة ؟  هل هي "الأمير" ؟ هل هي "القانون" ؟ هل هي الحدود الجغراسياسية التي نعيش عليها و التي يقنّنها العرف الدولي و القوانين العالمية ؟ هل إنّ الدولة واقع ملموس يتراءى للعيان؟ أم هي فكرة تراود الأذهان؟ إنّ هذا السؤال طرحه المفكّر السياسي الفرنسي المعاصر "جورجبيردو" مرجّحا الفرضية الثانية حيث يقول: « إنّ الدولة ليست الأرض و لا السّكان و لا مجموع القواعد الإلزامية لكن من الأكيد أنّ كلّ هذه المعطيات المحسوسة ليست خارجة عن مجال الدولة التي تتجاوز حدود هذه المعطيات فوجود الدولة لا ينتمي إلى عالم الظواهر المحسوسة و إنّما مندرج في عالم الفكر. إنّ الدولة في معناها التامّ هي فكرة.(G. Burdeau, "l'Etat" Paris, ED.Seuil 1970, p14). لئن رجّح هذا المفكّر كون الدولة فكرة على واقعية وجودها فإنّه يتعارض بذلك مع المدوّنة الهيڤلية التي أسّست نسقها على فرضية « كلّ ما هو عقلي واقعي وكلّ ما هو واقعي عقلي» والتي اعتبرت الدولة من أرقى ما أنتج العقل عبر التاريخ الذي يحاول إعادة تشكيل العقل المطلق واستنقاذه من الاغتراب الذي جعله يبحث عن ذاته عبر حلقات الزمن الطويل فتحرّر من الطبيعة أوّلا واكتشف ذاته ثانيا وخاض الصراع ثالثا منتجا دوائر الدين والفنّ والفلسفة ليصل إلى أقصى درجات الوعي المطلق في نظرية الدولة. و بذلك يمكن فهم المجاز الهيڤلي: « إنّي أرى العقل ممتطيّا صهوة جواد أبيض » الذي قاله هيڤل عندما أطلّ من شرفته ورأى نابليون بونابرت قد دخل بعد إلى المدينة.


II ـ  أصول التأسيس السياسي لنظرية الدولة والسيادة:
1 ـ الأصل التيوقراطي:
التيوقراطية (la théocratie) هي نظرية سياسية قديمة تعني الحكم الإلهي أو نظرية الحقّ الإلهي و يطلق عليها أحيانا "حقّ الملوك المقدّس" وهي نظرة قد تؤدّي إلى ﺘﺄليه الملك أو الحاكم و عبادته وتقديسه حتّى بعد وفاته و هذا ما يشهد به تاريخ بعض الشعوب القديمة مثل الحضارة الرومانية أو المكسيكية أو الفرعونية ففرعون ابن الإله "رع" الذي سيتولى محاكمته بعد موته. أمّا أثناء حياته فهو الإله الكامل « إنّه يشكّل الفكر الموجّه و المغذّي الملتحم بالأرض و السّماء و جميع السكّان سواء كانوا آلهة أم بشرا.
Jean ROUVIER: les grandes idées politiques   des origines à J. J. ROUSSEAU; ED. Bordas, Paris 1973, P14
هذا و قد تطوّر هذا المفهوم في القرون الوسطى إذ لم يعد ينظر إلى الملك على أنّه إله و إنّما يعتبر خليفة له على الأرض فهو يحكم باسم الإله الذي فوّض له السلطة ومن ثمّ سُميّت هذه النظرية بالتفويض الإلهي حيث نجدها مثلا في الحضارة العربية عندما يتحدّث عثمان بن عفّان عن الخلافة بوصفها « قميصا قمصه الله له » و من أقوال معاوية « الأرض لله و أنا خليفة الله و ما أخذت فلي و ما تركت للناس فبالفضل مني ». أمّا الخليفة المنصور فيُسمّي نفسه « سلطان الله على الأرض ». أمّا في أوروبا فنجد أنّ هذه الفكرة ستأخذ معنى آخر مع القدّيس أوغسطين في القرن 5 ميلادي و القديس توما الأكويني اللذان قالا بلا مباشريّة الحقّ الإلهي حيث أنّ السلطة لا تنتقل مباشرة من الله إلى الحكّام بل تتمّ عن طريق توسّط البشر الذين يختارون حكامهم وإذا ما وقع اختيارهم يكون لزاما عليهم أمام الله طاعتهم وعدم استعمال العنف للإطاحة بهم مهما بلغت درجة استبدادهم وذلك ﻷنّ المسيحية دين يدعو للتسامح ونبذ العنفإنّ هذه التوجّهات الدينية لن تعجب فيما بعد دعاة الحرّية والديمقراطية والمناهضين لشتّى أنواع القمع السياسي لذلك سيشهد تاريخ الأفكار السياسية بدايات التفكير اللائكي la laïcité  القائم على فصل الدين عن الدولة الذي سيسهم إسهاما كبيرا خاصّة مع فلاسفة العقد الاجتماعي في تحويل وجهة التفكير السياسي من التيوقراطية إلى الديمقراطية.
2  ـ الأصل الفيزيوقراطي (الطبيعي):
  أ ـ جمهورية أفلاطون ونظرية الفيلسوف الملك:
تعتبر محاورة الجمهورية لأفلاطون من المرجعيّات الهامّة بين الكتابات الفلسفية السياسية، حيث كان موضوع المحاورة هو مشكل العدالة هذا وقد طرح فيها أفلاطون نظريته السياسية بشأن الدولة المثالية التي يرجع أصلها إلى الطبيعة الإنسانية ونظرية تقسيم العمل الاجتماعي حيث يرى هذا الأخير أنّ أصل الدولة هو حاجة الإنسان إلى الاجتماع أوّلا وذلك لعجزه عن تلبية كلّ حاجاته فنقرأ مثلا في هذه المحاورة «لا يستطيع الزّارع أن يصنع محراثه ومنجله (…) كذلك لا يستطيع البنّاء أن يصنع أدواته التي يحتاج إلى كثير منها ومثل هذا ينطبق على النسّاج والحذّاء» ويكون تقسيم الوظائف في المجتمع حسب القدرات التي أهل كلّ فرد طبيعيا للقيام بها. يتكوّن أصغر تنظيم اجتماعي ممكن لقيام مدينة من شخص قادر على تأمين المأكل وآخر على تأمين اللباس و ثالث قادر على تأمين السكن فتكون بذلك ما يُسمّيه أفلاطون بمدينة الحاجة ثم تتّسع المدينة بعد وجود تنظيم سياسي محكم وإدارة قائمة على الأمن والعدالة و تتقوّى الدولة إلى أن يصبح من الضروري القيام بغزو الدول المجاورة لجلب الثروات وتحقيق دولة الرّفاه.
إنّ نظرية التأسيس السياسي للدولة لا تخرج عن تقسيم المواطنين حسب المؤهّلات الطبيعية حيث يرى أفلاطون أنّ أغلبية الناس تحركهم دوافع الحاجة و الرغبة و هؤلاء يكون دورهم في جمهوريته الفاضلة هو العمل اليدوي. و ثمّة فئة ثانية أفضل عددا من الأولى لأفرادها بنية جسدية قوّية وتحركّهم دوافع الشهامة و الشجاعة و هؤلاء لهم دور الحراسة. و ثمّة فئة ثالثة نادرة تؤهّلها طبيعتها و تربيتها و مستواها المعرفي لاكتشاف الحقيقة و هي فئة الفلاسفة الذين يرشّحهم لمنصب الرئاسة نظرا لأنّ حكمتهم تجعلهم قادرين على تسيير المدينة و تحقيق العدل للمواطن الأثيني لذلك يقول: " لن تعرف المدينة لآلامها نهاية إلاّ إذا تفلسف حكّامها أو حكم فلاسفتها".
 ب  ـ نظرية أرسطو و ربط السياسي بالطبيعي:
لقد اهتمّ أرسطو بالطبيعة و ألّف كتابا أسماه "الفيزيقا" درس فيه نظام الكون و اكتشف أنّ الطبيعة أو الكسموس كلّ منظّم تنظيما دقيقا يحكمه مبدأ الحركة و السكون و يعتمد إلى جانب العلّة المادية
و الفاعلة و الصورية على العلّة الغائية أساسا. أي أنّ لكلّ شيء غاية و خطّ تواصلي يسير نحوه وفق هذا الكلّ المنظّم.
أمّا نظريته السياسية فمثل كلّ فلسفة نسقية فهي لا تبتعد عن هذا الحقل الدلالي و عن هذه التربة الفكرية حيث ينطلق أرسطو من فكرة وردت في كتاب "السياسة" تقول: "إنّ الإنسان حيوان سياسي" أي أنّه كائن لا يمكنه العيش إلاّ ضمن أرضية مجتمعيّة «فالإنسان الذي يعجز عن أن يكون فردا من مجموعة أو لا يشعر بحاجة إلى ذلك لأنّه مكتف بذاته إما أنّه حيوان متوحّش أو أنّه إله" (ARISTOTE: la politique Tard: Tricot § 1235)  و هي نظرية شهيرة اعتمدها بعده العديد من الفلاسفة لعلّ أبرزهم "عبد الرحمان بن خلدون" الذي قال في مقدّمته «إنّ الاجتماع الإنساني ضروري و يعبّر الحكماء عن ذلك بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدينة». فالمدينة حسب أرسطو تمثّل كمال الوجود الإنساني لأنّ الغاية التي أسّستها الطبيعة في جعل الإنسان مدني و مرتبط في عيشه بالمجموعة هو ضمان حسن بقائه لذلك يكون وجود المدينة هو لغاية تحقيق الخير الأسمى و هو السّعادة. تمرّ المدينة في تكوّنها بثلاث مراحل تفرضها الطبيعة لعلّ أوّلها هي العائلة التي تحمل النواة الأولى للرئاسة متمثّلة في سلطة الرجل ثمّ تنشأ القبيلة بحكم تفرّع علاقات القرابة وذلك يؤدّي إلى نشأة القرية التي تعقبها نشأة المدينة فالأسرة تنشئ الأفراد(المواطنين) نظرا لتلبيتها للحاجات الطبيعية في الكائن أمّا القرية فبإمكانها تحقيق حاجات ثانوية لكّنها غير كافية ولكنّ المدينة تسعى إلى تحقيق بقيّة الحاجات لتؤكّد مفهوم السعادة نظرا لأنّها كلّ منظّم ومسير من طرف سلطة سياسية فتكون بذلك وظيفة الملك ملتحمة بالنظام الكوني ذاته.
 3ـ الفلسفة الحديثة والتأسيس التعاقدي للدولة:
انطلق فلاسفة العقد الاجتماعي من مفهوم الطبيعة لتأسيس النظرية السياسية، لكنّ استعمال هذا المفهوم سيخرج عن المعنى الإغريقي القديم الذي ينظر للطبيعة ككوسموس ليشتغل على الطبيعة الذاتية للكائن البشري (طبيعة عنيفة، طبيعة خيّرة).
يلاحظ لويس ألتوسير في كتابه "منتاسكيو والتاريخ" في معرض حديثه عن فلاسفة العقد الاجتماعي «إنّ ما يوحّد بينهم هو طرحهم لنفس الإشكالية التي يمكن صياغتها في السؤال التالي: ما هو أصل المجتمع المدني أو الدولة؟» كما يؤكّد أنّهم لا يشتركون في الإشكالية فحسب، بل كذلك في الحلّ المقدّم لها الذي يتألّف من مفهومين أساسيين هما "حالة الطبيعة" و "العقد الاجتماعي"، فالحالة الطبيعية(l'état de la nature)  هي الحالة البدئية التي يتمّ الانتقال منها إلى الحالة المدنية بتوسّط عملية التعاقد وهي فرضية أنتروبولوجية (الأنتروبولوجيا: علم يدرس سمات الإنسان البدائي وطبيعة حياته وخصوصية ثقافته) باحثة في أصل الإنسان وتحوّلاته الاجتماعية والثقافية والسياسية قبل المرحلة المعاصرة.
 أ ـ حالة الطبيعة والحقّ الطبيعي:
حالة الطبيعة هي فرضية وهمية قائمة على تصوّر طريقة عيش الإنسان البدائي في غياب مقوّمات المشروع المجتمعي المدني وفي غياب مؤسّسة الدولة والقانون الوضعي حيث يقول "جون جاك روسو" «لا يجب أن نأخذ الأبحاث المتعلّقة بهذا الموضوع (حالة الطبيعة) على أنّها حقائق تاريخية، بل فقط كاستدلالات افتراضية وشرطية تهدف أكثر إلى بيان طبيعة الأشياء من كونها تهدف إلى الكشف عن مصدرها الحقيقي »
 J. J. Rousseau: Discours sur l'origine et les fondements de l'inégalité entre les hommes. Œuvres complètes
   توماس هوبز: 1677-1588   
يصوّر هوبز في كتاب "التنّين" الإنسان في حالة الطبيعة بأنّه كائن ساع إلى حفظ البقاء وهو مبدأ يتساوى فيه جميع البشر نظرا لأنّ لديهم نفس الحاجيات والحقوق، وهي وضعية تسيطر عليها القوّة والأهواء الشخصيّة وينعدم فيها مبدأ الملكية لكن نتيجة ذلك هو العيش الصدامي بين قوى شرسة نظرا لأنّ لكلّ فرد الحقّ على كل شيء، لذلك يقول هوبز« يظهر بوضوح (…) أنّ الناس طالما أنّهم يعيشون بدون سلطة مشتركة تهيمن عليهم جميعا، يكونون في وضع يطلق عليه اسم حرب الكلّ ضدّ الكلّ» (HOBBES, Léviathan,  Trad. Tricaud, Paris1971, CHap13  p12)   إنّ حالة الحرب الكونية التي أعلن عنها هوبز في حالة غياب الدولة ناتجة عن تأصّل الشرّ في الذات الإنسانية حيث يصف هوبز الإنسان بأنّه "ذئب للإنسان" (HOMO HOMINI LUPUS) لذلك تكون الحاجة إلى السلطة ضرورة حياتية لاستنقاذ الفرد من براثن الفرد ولإحلال السّلم محلّ الحرب.
جون جاك روسو: 1778-1712
على عكس هوبز يعتبر أنّ طبيعة الإنسان خيّرة، حيث يصف في كتاب "أصل التفاوت بين البشر" حالة الطبيعة بأوصاف إيجابية حيث أنّ الإنسان كان يعيش في عزلة عن الآخرين ويمتاز بصفة الشفقة وقابلية التحسّن. لقد كانت بدايات الإنسان الوحيد والحرّ بدايات خيّرة، لكن التوّرط في المجموعة هو الذي يصنع الطابع العدواني للإنسان نظرا لتضارب المصالح وتقاطع الحاجات.
 حسب روسو بروز الملكية هو الذي حتّم وجود سلطة لحماية الفرد وملكيته، حيث يقول" إنّ أوّل رجل قام بتسييج حقل وخوّل لنفسه القول: «هذا لي» و وجد بعض الناس البلهاء الذين صدّقوه، كان المؤسّس للمجتمع المدني".
جون لوك: 1704-1632
حسب جون لوك، يتمتّع الأفراد في حالة الطبيعة بحقّ الملكية الذي يتأتّى من حقّ الإنسان على شخصه ومن ثمّ على نتائج عمله وكذلك بحقّ الحرّية، غير أنّ الإنسان له ميل أكثر لأهوائه الشيء الذي يجعله معرّضا للعديد من النزاعات ولمآسي الحرب فيكون بذلك الفرد مهدّدا في ملكيته وأمنه وحياته. المشكلة عند لوك هي اعتماد الفرد على مبدأ القصاص الذاتي حيث يقول في كتاب "مقالتان في الحكومة المدنية" الذي أصدره سنة 1690 أنّه إذا تعرّض فرد للأذى أو جاء شخص لافتكاك أملاكه فإنّه سيقتصّ منه بنفسه أي بإمكانه أن يقتل لصّا وهو بصدد سرقة ما يملكه. إنّ هذه الوضعية تعطي للأفراد حقّ استعمال القوّة والعنف للدّفاع عن ممتلكاتهم، غير أنّ العنف لا يمكن أن يوّلد إلاّ العنف وفق مبدأ الثأر لذلك توجب على الإنسان إيجاد الحلّ القانوني لحلّ هذا المشكل.
 لئن اعتبر الحقّ الطبيعي هو المبدأ المسير لحالة الطبيعة وهو المبدأ الذي يضمن حقّ البقاء والحرّية، وهو أيضا المبدأ الذي يعطي قيمة لما به يضمن الإنسان الاستمرارية مثل الأكل والشرب لأنّ من يريد الغاية يريد أيضا الوسيلة التي يحقّق بها تلك الغاية، فإنّه يتعارض مع مبدأ آخر مسبّبا للموت وللهلاك وهو القانون الطبيعي نظرا لأنّ الحقّ الطبيعي قائم على القوّة كما يرى روسو الذي ينفي نظرية حقّ الأقوى ويقول إنّ تأسيس الحقّ على القوّة هو نفي للحقّ بمجرّد قيام قوّة أشرس وأخطر من القوّة الأولى، لذلك بيّن في الكتاب الأوّل من "العقد الاجتماعي" أنّ عبارة "حقّ الأقوى" خالية من المعنى حيث أنّ القوّة لا توّلد الطاعة كواجب بل كانصياع وكإرغام وبالتالي فهي لا تصنع الحقّ. وبهذا الموقف يمكن فهم عبارة "سپينوزا" في "رسالة في اللاهوت والسياسة" «إنّ الأسماك الكبيرة تأكل الأسماك الصغيرة». فالأسماك الصغيرة تمارس حقّها الطبيعي في حدود قوّتها التي تنتهي بوجود قوّة أكبر منها و كذلك الشأن بالنسبة لبقيّة الكائنات و للإنسان أيضا في حالة الطبيعة. لذلك يرى "سبينوزا" "أنّ الحقّ في حالة الطبيعة هو حقّ على كلّ شيء لكّنه يذهب عندما تذهب القوة". فقانون الطبيعة مضادّ للحقّ الطبيعي لأنّه قانون الغاب و قانون البقاء للأقوى لذلك تكون حياة الإنسان وفق هذا المبدأ قصيرة و يسودها هاجس الخوف من الموت العنيف و تأجيل الهلاك القائم على انتظار الهلاك. لذلك يقول "هوبز" إنّ حياة الإنسان في الطبيعة "هي حياة عزلة و كدّ و فناء و هي تكاد تكون حيوانية قصيرة".
 ب ـ العقد الاجتماعي:
توجد لدى فلاسفة العقد الاجتماعي دوافع قوّية للانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية و كلّ نظريات الدولة تتّخذ من العقد الاجتماعي أساسا لقيامها حيث يقول "روسو": «لأنّه لا يوجد لسلطة طبيعية لواحد من الناس على البقّية و لأنّ القوّة لا تنتج أي حقّ فإنّ الأساس الوحيد الباقي للسلطة الشرعية بين الناس هو الاتّفاق». p : 66 ROUSSEAU, Du contrat social. ED; Bordas
هوبز
 عند "هوبز" يتميّز الإنسان بوجود ملكة العقل الحسابي التي تجعله يكتشف خطورة قانون الطبيعة و تجعله يحسب حدود القوّة. لذلك فإنّ العقل الحسابي هو الذي سيدفع لضرورة التعاقد و هو أن نوافق عندما يوافق الآخرون على التنازل قصد إحلال السلم و الدفاع عن الحقّ الذي للفرد على كلّ شيء فتنشأ بذلك الدولة التي ستحمي بالقوّة كلّ الحقوق التي تنازل عنها الأفراد. أي إنّ قوّة الأفراد في حالة الطبيعة سيستولي عليها "التنّين" وهو كائن أسطوري رهيب ومخيف ويرمز به هوبز إلي الدولة التي يصفها" بالإله الفاني" نظرا لسلطتها المطلقة والمحدودة زمنيا وتاريخيا.
إنّ ما تضمنه دولة هوبز هو سَنّ القوانين المدنية و إجبار الأفراد على احترامها وطاعتها. فالقانون المدني هو الذي يخلق الحقّ ويحدّد ما هو عدل و ما هو ظلم. لذلك يرى هوبز أنّ الملك يمكن أن يكون مستبدا لكن أسوأ استبداد هو أفضل من الفوضى.  
* ما يمكن أن يعاب على الفكر السياسي الهوبزي هوالتنظير لنظام ديكتاتوري يحوّل المواطنين إلى خاضعين لسيادة  مطلقة غير قابلة للنقد أو للتغيير أو للمقاومة لتجاوز الظلم وإحلال نظام أكثر عدلا فالسلم وحده لا يكفي للمراهنة على مواطنة حرّة ومبدعة تمارس حقوقها خارج الخطوط الحمراء لما يمكن أن يُسمّى بالاغتراب السياسي.
سبينوزا
 يقول في كتاب "رسالة في اللاهوت والسياسة" «إنّ كلّ إنسان يودّ العيش في أمان من كلّ خوف قدر الإمكان ولكنّ ذلك مستحيل ما دام كلّ فرد يستطيع أن يفعل ما يشاء، وما دام العقل لا يعطي حقوقا تعلو على حقوق الكراهية والغضب (…) و من ثمّ يظهر لنا بوضوح تامّ أنّه لكي يعيش الناس في أمان وعلى أفضل نحو ممكن كان لزاما عليهم أن يسعوا إلى التوحّد في نظام واحد وكان نتيجة ذلك أنّ الحقّ الذي كان لدى كلّ منهم بحكم الطبيعة على الأشياء جميعا أصبح ينتمي إلى الجماعة ولم تعد تتحكّم فيه قوّته أو شهوته.
إنّ نظرية التعاقد لديه لا تنظر إلى الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية على أنّها حالة قطيعة بل هي علاقة اتّصال لا انفصال أي هي علاقة استكمال تحقيق للطبيعة البشرية نظرا لأنّ الدولة إملاء من ٳملاءات العقل وهي و إن اتّسمت بالطابع الإلزامي فإنّها تحافظ على حرّية الفرد بل تعطيهم حرّية أكبر ممّا كانت في حالة الطبيعة لأنّ الحرّية لديه هي" وعي بالضرورة" لذلك يرى سپينوزا أنّ تنازل الأفراد للدولة لا يمكن أن يمسّ حقّ التفكير وحقّ التعبير بل على الدولة أن تحترم هذا الحقّ.
إنّ النظرية السپينوزية للدولة ليست غايتها تحقيق الأمن فيكون المواطن بمثابة "السجين الآمن" بل الأمن الذي يتوق إليه هذا الأخير هو أمن منفتح على الحرّية دعما وتكوينا واعترافا، وهو ما يجعل الأفراد لا يتخلّون عن حقوقهم بصفة كلّية.
روسو
للخروج من وضعية حقّ الأقوى يلجأ روسو إلى ضرورة التعاقد قصد تأسيس السلطة الشرعية
وتحقيق نقلة نوعية للوجود الإنساني وبالتعاقد ينتقل الإنسان من الفرد إلى المواطن لأنّ المواطن حسب روسو أكثر إنسانية من الإنسان في حالة الطبيعة لأنّ العقد يخلق إنسانية الإنسان.
يتلخّص عقد روسو في بند واحد هو تنازل الجميع عن حقوقهم وقوّاهم لصالح الجميع أو هذا الكلّ الذي يتكوّن من خلال التعاقد وإذا تعاقد الفرد مع الجميع فإنّه لا يتعاقد إلاّ مع نفسه بوصفه عضوا لهذا الكلّ الذي هو الشعب.
إنّ نظرية الدولة حسب روسو هي نظرية الإرادة العامة أو الشعبية حيث يميّز بين الإرادات الخاصّة والإرادة العامة الأولى تابعة للأفراد وهي لا تنظر إلاّ للمصالح الخاصّة أمّا الإرادة العامة فهي صوت المصلحة العامة التي يسهر عليها القانون الذي ينطبق على الجميع.
إنّ غاية الدولة عند روسو هي استعادة الإنسان لطبيعته الخيّرة المفقودة من خلال خضوعه للقانون.
   من مزايا الفكر التنظير السياسي الروسوي׃
* تجاوز مشكل طاعة الإنسان للإنسان بتحويلها إلى طاعة الإنسان لنفسه.
* تحويل وجهة السيادة من سيادة الدولة إلى سيادة الموطن.
* الالتزام بروح القوانين واحترام الإرادة العامة كمشرع حقيقي لها.
* التنظير لنظام ديمقراطي.
========================================
* السلطة ليست مؤسّسة و ليست بنية و ليست قدرة معيّنة هي حكر على البعض: إنّها الاسم الذي نطلقه على وضع استراتيجي معقّد في مجتمع معين. ميشال فوكو ـ إرادة المعرفة. ص: 123
* إنّ كافّة المؤسّسات السياسية إن هي إلاّ تجليّات السلطة وتجسيدها المادّي و هي تجمد وتتدهّور منذ اللحظة التي تكفّ فيها سلطة الشّعب الحيويّة عن مساندتها. حنا آرندت ـ في العنف. ص: 36
* الواقع أنّه لا يوجد إنسان واحد يعيش دون قلق وسط العداء و الكراهية و الغضب و المخادعة،   و من ثمّة فلا يوجد إنسان واحد لا يحاول الخلاص من ذلك بقدر استطاعته.  سبينوزا ـ رسالة في اللاهوت والسياسة. ص: 380
* فمثل هذا المجتمع الذي يُبنى على القوانين و على قوّة قادرة على حفظه يُسمّى الدولة، و يُسمّى الأشخاص الذين يعيشون في حمايته المواطنون. سبينوزا ـ علم الأخلاق: الجزء الرابع.
* إذا اكتفى الشعب بأن يُوعد بالطاعة فقد تلاشى كيانه، و أضاع صفته كونه شعبا.  جان جاك روسو ـ في العقد الاجتماعي. ص: 43
* إنّي أفضّل الحرّية مع الخطر على السّلم مع العبودية. جان جاك روسو ـ في العقد الاجتماعي. ص: 120
* هذا الشعب ذاته كثيرا ما يكاد يكون حاكما بقدر ما هو مواطن. جان جاك روسوـ في العقد الاجتماعي. ص: 148
* الدولة مقبرة الحرّيات. باكونين ـ الإله و الدولة.
* على الأمير أن يكون مداهنا كبيرا، و مرائيا عظيما فمن يتقن الخداع يجد دائما أولئك الذين هم على استعداد لأن تنطلي عليهم خديعته. نيكولاي ميكيافيلي ـ الأمير. ص: 149
* إنّ السلطة تنبع من الشعب و من الحقّ العام و من المصلحة. تودوروف ـ روح الأنوار.
 ص: 47
* حقّ المقاومة هو الحقّ الممنوح للمواطن للعمل على احترام النظام الذي تقوم عليه مواطنته في صورة ما إذا كان لهذه المواطنة أن تنتزع منه بفعل تغيير هذا النظام. فالمقاومة قانونية ذلك أنّها ليست حقّ دفاع عن النفس فحسب بل هي كذلك ما يجعل ما هو مشروعا و ما هو قانونيا ممكنا Agnées Lejbowicz  ـ حقّ المقاومة.  ص: 310
* إنّ أي مسّ بسيادة الدول باسم حقوق الإنسان يعتبر مريبا و يكون عرضة لمخطّطات مشبوهة تتطلّب منّا أن ننظر إليها دوما بحذر. جاك دريدا ـ العولمة و السلام و المواطنة العالمية، نقلا عن كتاب: القيم إلى أين ؟ لكاتبه د.شييقان.


إرسال تعليق

اعلانات

 
Top